مثل معظم المدن الكبرى، تنبض برشلونة بالحياة بفضل شوارعها الحيوية والمزدحمة. ومع ذلك، فإن هذه المساحات تشغلها السيارات والمركبات الآلية أكثر من الأشخاص. ففي برشلونة تستحوذ السيارات على 60% من المساحات العامة في الشوارع. وفي محاولة للحد من الازدحام المروري وإنشاء مساحات تعطي الأولوية للناس، أطلقت برشلونة خطة طموحة تُعرف باسم «السوبر بلوكس» (Superblocks)، وهو نموذج حضري يهدف إلى استعادة الفضاءات العامة وإعادة الحياة إلى المدينة.
سوبر بلوكس برشلونة: خطة ثورية
السوبر بلوكس أو «سوبريّاس» (Superilles) هي أحياء صغيرة تتكون من دمج تسع كتل عمرانية قائمة (3×3). ولا يتم إنشاؤها عبر إضافة مبانٍ جديدة، بل من خلال إعادة تصميم المساحات العامة وطريقة استخدامها. ويعتمد هذا النموذج على إعطاء الأولوية للمشاة وراكبي الدراجات بدلاً من المركبات. وكان الهدف من نموذج السوبر بلوكس في برشلونة تقليل حركة المرور والضوضاء والتلوث، إلى جانب معالجة القضايا المجتمعية وتعزيز الاستدامة.
يعتمد النموذج على مربع يضم تسع كتل عمرانية، حيث تُستخدم الطرق الخارجية لحركة المرور الرئيسية، بينما تخضع الطرق الداخلية لحد سرعة يبلغ 10 كم/ساعة وتُخصص للمشاة والدراجات. كما تتم إضافة المساحات الخضراء والمرافق العامة بين الكتل على شكل ساحات ومناطق لعب للأطفال وأماكن للجلوس.
الإرث العمراني لبرشلونة
لطالما تميزت برشلونة بنهجها المدروس في التخطيط الحضري، حتى إنها حظيت بتقدير عالمي عندما تم اختيارها عاصمة اليونسكو العالمية للعمارة لعام 2026. ويعود هذا الإرث إلى خطة إلديفونس سيردا التي أعادت تشكيل المدينة في منتصف القرن التاسع عشر. لذلك، وعلى الرغم من إمكانية تطبيق استراتيجية السوبر بلوكس في أي مدينة، فإن أساسها يرتبط بشبكة الشوارع الواسعة والتخطيط الشبكي لمنطقة إيكسامبل.
استندت خطة سيردا إلى مبدأ توفير وصول متساوٍ لأشعة الشمس والهواء النقي، بما يسمح للمدينة بالتنفس. ومع مرور الوقت امتلأت الشوارع بالسيارات، لكن هذا التخطيط الشبكي نفسه أتاح لاحقاً إمكانية إنشاء مناطق خالية من المركبات. ويستند نموذج السوبر بلوكس الذي طوره سلفادور رويدا إلى هذه المبادئ بهدف استعادة المساحات العامة من السيارات. ففي هذه المناطق يصبح الإنسان محور التصميم، مع تنويع الوظائف والاستخدامات وتحسين المناطق الحضرية وإحيائها.
وبالإضافة إلى إعادة التوازن بين المركبات والمشاة، تطور مفهوم السوبر بلوكس في برشلونة ليشمل المحاور الخضراء (Green Axes). ومن خلال زيادة المساحات النباتية والخضراء أصبح بالإمكان تطبيق النموذج بمرونة أكبر في أنحاء المدينة. وقد أوجدت المحاور الخضراء حلاً وسطاً بين الفئات التقليدية، مع الاستمرار في تقليل هيمنة السيارات بشكل ملحوظ. كما سمح ذلك لكل شارع بالحفاظ على طابعه الخاص مع دعم التنقل المستدام وخلق مساحات مريحة للتجمع والتفاعل الاجتماعي.
أين تقع السوبر بلوكس وكم عددها في برشلونة؟
حتى عام 2026، تضم برشلونة عدداً من مشاريع السوبر بلوكس المكتملة والجارية، مع التخطيط لإنشاء 21 محوراً أخضر إضافياً و21 ساحة عامة بحلول عام 2030. أما الرؤية طويلة المدى فتتمثل في إنشاء 503 مناطق سوبر بلوك في أنحاء المدينة.
في مايو 2016 وافق مجلس مدينة برشلونة على مشروع «دعونا نملأ الشوارع بالحياة» للمضي قدماً في البرنامج. وبدأ تنفيذ الخطة في حي بوبلينو، حيث واجه المشروع في البداية معارضة من السكان وأصحاب الأعمال عام 2017 بسبب المخاوف المتعلقة بحركة المرور والتجارة المحلية. إلا أن عدد المتاجر المحلية ارتفع لاحقاً بنسبة 30%، كما لاحظ السكان آثاراً إيجابية واضحة للنموذج الحضري. وبما أن بوبلينو كان المشروع التجريبي الأول، فقد طورت المدينة الخطة بناءً على الدروس المستفادة. وحقق مشروع سانت أنطوني نجاحاً أكبر مع تحسين تدفق الحركة والتركيز على جودة المساحات العامة، إضافة إلى منح السكان دوراً أكبر في عملية اتخاذ القرار.
اليوم تشمل مواقع السوبر بلوكس في برشلونة مناطق بوبلينو، سانت أنطوني، هورتا، وهوستافرانكس. ويمكنك التعرف أكثر على المدينة وأحيائها المتطورة من خلال دليلنا الشامل حول كل ما تحتاج إلى معرفته عن برشلونة.
تأثيرات وفوائد السوبر بلوكس: تحسين الصحة الحضرية من خلال التصميم
يُعد برنامج السوبر بلوكس خطوة مهمة نحو إنشاء مدينة أكثر صحة من خلال تقليل حركة المرور وإيجاد مناطق هادئة داخل الأحياء. لكن هل حققت هذه التجربة النجاح؟ تشير العديد من الدراسات والملاحظات إلى وجود تحسينات واضحة إلى جانب بعض التحديات.
تشمل التحسينات البيئية انخفاض الضوضاء والتلوث الناتجين عن المركبات، وزيادة المساحات الخضراء والبنية التحتية الاجتماعية. وتنعكس هذه التحسينات إيجابياً على صحة الأفراد والاستدامة البيئية، كما تساهم على نطاق أوسع في مواجهة أزمة المناخ.
كما تُعد المساحات التي تعطي الأولوية للمشاة مثالاً آخر على كيفية مساهمة السوبر بلوكس في تحسين الصحة الحضرية. فمع استعادة المساحات العامة، ازدادت معدلات المشي وركوب الدراجات والأنشطة الخارجية بين السكان. وأصبحت العائلات تستخدم هذه المناطق للعب، بينما يقضي الموظفون فيها أوقات استراحتهم، ويستفيد منها كبار السن والشباب للتواصل الاجتماعي والاسترخاء. كما أشار العديد من السكان إلى أن هذه المساحات عززت الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المحلي.
ومع ذلك، فإن نموذج السوبر بلوكس لا يخلو من التحديات. فإعادة توزيع حركة المرور إلى المناطق المجاورة، ومخاوف ارتفاع الأسعار والإقصاء الاجتماعي، وصعوبات الخدمات اللوجستية للأعمال التجارية، إضافة إلى قضايا العدالة البيئية، كلها عوامل تُبرز تعقيد عملية التحول الحضري. ولهذا السبب يواصل مجلس المدينة تطوير النموذج وتوسيع آليات مشاركة السكان واستشارتهم لتحسين تطبيق المشروع.
برشلونة كنموذج عالمي للحياة الحضرية المستدامة
أصبح هذا النموذج للتصميم الحضري المستدام مصدر إلهام عالمي، حيث بدأت مدن عديدة في استكشاف مشاريع مماثلة أو تطبيق بعض عناصره، بما في ذلك لوس أنجلوس وفيينا وبرلين وبوغوتا وروتردام.
وتُظهر التجارب الأولى والتطور المستمر لمفهوم السوبر بلوكس في برشلونة كيف يمكن تكييف هذا النموذج مع مختلف البيئات الحضرية، وكيف تستطيع المدن الابتكار لمواجهة تحديات العصر. ويُعد هذا المشروع مثالاً ملهماً لأنه لا يحقق مكاسب بيئية فحسب، بل يضع الإنسان في صميم الحياة الحضرية. كما أن دمج المساحات الخضراء وإنشاء أحياء صالحة للمشي في برشلونة لا يحقق فوائد بيئية فقط، بل يساهم أيضاً في توفير مدينة أكثر ملاءمة للعيش، وهو أحد الأهداف الرئيسية للمشروع.
ويكمن جوهر الفكرة في إعادة الشوارع إلى الناس، باعتبارها امتداداً لـ العقارات المعروضة للبيع في برشلونة، حيث تصبح المساحات العامة جزءاً من الحياة اليومية. وتمثل المدينة مثالاً بارزاً على كيفية تصميم بيئة حضرية صُممت فعلاً من أجل العيش والاستمتاع بها.




