تواصل مقاطعة أليكانتي (Alicante) ترك بصمة قوية في سوق العقارات الإسباني بعد تسجيلها أكثر من 53,000 عملية بيع في عام 2025، محتلةً بذلك المرتبة الثالثة على المستوى الوطني، ومستحوذةً على نصف إجمالي الحصة السوقية تقريباً داخل مجتمع فالنسيا. كما لا يزال نشاط المشترين الأجانب عند مستويات مرتفعة للغاية؛ حيث تقود المقاطعة البلاد من حيث حجم الطلب الدولي. في هذا المقال، سنلقي نظرة عن كثب على أداء السوق مؤخراً، وأبرز العوامل التي تحرك هذا الطلب، والاتجاه الذي يسير فيه.
لمحة سريعة على سوق العقارات في أليكانتي
لطالما كانت أليكانتي وجهة مفضلة لمشتري العقارات، لكن البيانات الأخيرة لعام 2025 تؤكد أنها تقود المشهد في إسبانيا بشكل مطلق في الوقت الحالي.
ووفقاً للتقارير، سجلت المقاطعة 53,385 عملية بيع خلال عام 2025، بزيادة قدرها 2.9% عن العام السابق. هذا الحجم يضع أليكانتي بثبات في المرتبة الثالثة وطنياً، خلف مدريد (81,484) وبرشلونة (73,285) فقط. لكن الأرقام الخام لا تروي القصة كاملة؛ فعند النظر إلى مبيعات المنازل بالنسبة لعدد السكان، تتغير الصورة تماماً.
إذ يبرز التقرير السنوي الأخير الصادر عن جمعية المسجلين العقاريين في إسبانيا تسجيل 25.86 صفقة لكل ألف نسمة، مما يجعل أليكانتي السوق الأكثر نشاطاً في البلاد. ومن بين هذه المبيعات، يحتل المشترون الدوليون مكانة بارزة؛ حيث استحوذت هذه المقاطعة الساحلية العام الماضي على 43.3% من إجمالي المشتريات الأجنبية في إسبانيا.
ويتفاعل سوق العقارات في أليكانتي مع هذا الطلب المتزايد؛ حيث بدأ المعروض في اللحاق بالركب. وتظهر الأرقام الجديدة الصادرة عن الكلية الرسمية للهندسة الفنية المعمارية في أليكانتي (COATA) أن أعمال البناء قد بدأت في 3,418 منزلاً في المنطقة خلال الربع الأول من عام 2026، مما يمثل زيادة بنسبة 25.3% عن العام السابق، مع تركز معظم هذا النمو في منطقة "فيجا باخا" (Vega Baja)، وتحديداً في توريفايجا (Torrevieja).
ما وراء الشريط الساحلي: المحرك الحقيقي للطلب العقاري في أليكانتي
تُعد شواطئ الراية الزرقاء في كوستا بلانكا ونمط الحياة فيها جزءاً لا جدال فيه من عناصر الجذب، ولطالما استقطبت هذه المنطقة الساحلية المشترين من جميع أنحاء أوروبا. ومع ذلك، فإن هذا وحده لا يكفي لوضع أليكانتي في الصدارة؛ فالمقاطعة تقود حجم الصفقات العقارية على مستوى البلاد وداخل مجتمع فالنسيا، فما الذي يجعلها أكثر جاذبية من المناطق الإسبانية الساخنة الأخرى؟
تُعد أليكانتي ومالاغا المقاطعتين اللتين تبرزان باستمرار عندما يتعلق الأمر بالمشتريات الأجنبية على مستوى البلاد، وكلاهما تقعان ضمن أفضل الوجهات للمغتربين. ورغم ذلك، تفوقت كوستا بلانكا بوضوح سواء في العقارات الاقتصادية أو الإسكان الفاخر؛ ففي الربع الثالث من عام 2025 وحده، سجلت أليكانتي 5,741 مبيعات أجنبية مقارنة بـ 2,750 مبيعات في مالاغا. وتلعب الأسعار التنافسية وسوق العقارات الفاخرة في أليكانتي دوراً مهماً في اتساع هذه الفجوة لصالحها.
وعلى الرغم من أن الأسعار العامة للعقارات المعروضة للبيع في أليكانتي تُعد أكثر ملاءمة واقتصادية مقارنة بمالاغا أو ماربيا، إلا أن المشترين لا يزالون يختارون أماكن مثل "خافيا" (Jávea)، وهي واحدة من أغلى المناطق على الساحل. ويكشف هذا أن العامل الحاسم هنا ليس مجرد تدني الأسعار، بل "القيمة المتوقعة" مقابل السعر.
يختار الكثيرون شراء منزل ثانٍ وعقار استثماري في أليكانتي للاستفادة من عوائد إيجارية يمكن أن تصل إلى 5-6%، والطلب القوي على منازل العطلات، وسوق الإيجار طويل الأجل المتنامي. ورغم أنها ليست عاصمة كبرى، إلا أن بنيتها التحتية متطورة للغاية؛ حيث يربط مطار أليكانتي-إلتشي المقاطعة مباشرة بالأسواق عبر أوروبا وخارجها. ومن خلال الجمع بين سهولة الوصول، وتنوع الخيارات العقارية، والوصول إلى الإسكان الفاخر في كوستا بلانكا بأسعار تنافسية، فإن المقاطعة قادرة على الحفاظ على مستويات الطلب العالية حتى في ظل السياقات الاقتصادية العالمية غير المستقرة.
من هم مشتري العقارات في أليكانتي؟
تغيرت الشريحة العامة للمشترين على مر السنين، على الرغم من أن المشترين الأجانب لا يزالون القوة المهيمنة في سوق العقارات في أليكانتي. لا يزال الطلب الدولي في المقاطعة استثنائياً؛ حيث تمثل أليكانتي حوالي واحدة من كل أربع مشتريات أجنبية تتم في إسبانيا. ومن بين هؤلاء المشترين الدوليين، لا يزال البريطانيون في المرتبة الأولى بنسبة 7.97% من الصفقات، يليهم الألمان بنسبة 6.52%، ثم الهولنديون الذين صعدوا حديثاً بنسبة 6.3%. ولا يزال المشترون الأوروبيون يهيمنون على السوق، على الرغم من أن قاعدة المشترين تتنوع تدريجياً.
كما تشهد طبيعة العقارات المشتراة وأسباب الشراء تحولاً ملحوظاً؛ فعلى مر السنين، رسخت أليكانتي مكانتها للراغبين في الاستثمار أو شراء منازل ثانية في إسبانيا. أما الآن، فقد تجاوز الأمر مجرد منازل عطلات أو عقارات استثمارية؛ ومع دخول المشترين الأصغر سناً إلى السوق، تتطور الشريحة المستهدفة، لتتحول من مجرد قضاء الإجازات الموسمية إلى الاستقرار على المدى الطويل وبناء حياة مستقرة في المنطقة.
أفضل المناطق لشراء العقارات في أليكانتي: أين يتركز الطلب الأعلى؟
وفقاً لبيانات موقع "إيدياليستا" (Idealista) التي تغطي 84 بلدية في جميع أنحاء البلاد، تبرز 16 بلدية في أليكانتي ضمن المناطق الأعلى طلباً من قِبل المشترين، وهو عدد يفوق أي مقاطعة أخرى في إسبانيا، وتأتي عاصمة أليكانتي في المرتبة الأولى. كما تضم القائمة بلدات ساحلية قريبة مثل "سانتا بولا" و"فيلاجويوسا"، مما يعكس طلباً يمتد إلى ما هو أبعد من المدينة نفسها.
وتشمل البلديات الأخرى تجمع "فيجا باخا"، مثل توريفايجا، وريويلا، وغواردامار، حيث تشهد الأنشطة العقارية والأسعار ارتفاعاً مطرداً. كما تشهد البلدات الساحلية الفاخرة طلباً مرتفعاً، لاسيما خافيا، وألتيا، وكالبي، والتي تجذب المشترين الدوليين ذوي الملاءة المالية العالية، بينما تظل بنيدورم ودينيا، كوجهات سياحية عريقة، على رادار المشترين بقوة.
اتجاهات أسعار العقارات وأداء السوق في أليكانتي
تشير البيانات الحديثة إلى أن المعروض من المنازل في أليكانتي لا يواكب حجم الطلب؛ حيث يهيمن مخزون العقارات المعاد بيعها (العقارات المستعملة) عبر كوستا بلانكا بنسبة 81.5% من الصفقات، مقابل 18.5% فقط للمنازل حديثة البناء. هذا المعروض المحدود يدفع الأسعار نحو الارتفاع، ورغم زيادة نشاط البناء، إلا أن حجم المشترين الوافدين إلى السوق يتجاوزها باستمرار. وفي الوقت الحالي، يبلغ متوسط أسعار العقارات حوالي 2,500 إلى 2,750 يورو للمتر المربع الواحدة في المقاطعة، وتصل الأسعار في المناطق النخبوية إلى مستويات أعلى بكثير.
وتسجل بلدة "خافيا" -وهي أغلى بلدة في مجتمع فالنسيا- متوسطاً يبلغ 3,436 يورو للمتر المربع؛ وتضعها الزيادة السنوية البالغة 13.3% في صدارة بلدات المنطقة متفوقة على بنيدورم (3,081 يورو/م²) وكالبي (3,042 يورو/م²). وتُعد هذه البلديات الثلاث الوحيدة في المقاطعة التي يتجاوز متوسط أسعارها حاجز الـ 3,000 يورو للمتر المربع، ومع ذلك لا تزال أحجام الصفقات فيها قوية للغاية.
إلى أين يتجه سوق العقارات في أليكانتي؟
بالتطلع إلى المستقبل، ومع بقاء الطلب الدولي عند هذه المستويات المرتفعة، ستحتفظ كوستا بلانكا بمكانتها كواحدة من أكثر أسواق العقارات طلباً في إسبانيا. ومن المتوقع أن تستمر الأسعار في الارتفاع، وإن كان ذلك بشكل معتدل بعد القفزات الحادة التي شهدتها العام الماضي. وللحصول على رؤية أشمل للمسار الحالي، تقدم تحليلاتنا حول توقعات سوق العقارات الإسباني لعام 2026 سياقاً مفيداً للغاية في هذا الصدد.
ونظراً لأن المشترين يركزون الآن بشكل متزايد على العيش طويل الأجل بدلاً من الاستخدام الموسمي، فإن السوق يتغير تماشياً مع تطلعاتهم؛ فلم يعد الأمر يقتصر على مجرد الإطلالة البحرية الساحرة، بل بات يتمحور حول مدى جاهزية المكان للحياة الواقعية والمستقرة، من حيث توفر البنية التحتية القوية مثل المدارس الدولية، مرافق الرعاية الصحية، وخطوط الربط والمواصلات طوال العام.




