انتزع المشترون الهولنديون الصدارة كأكثر الجنسيات الأجنبية شراءً للعقارات في إسبانيا، بعد أن ظل السوق لفترات طويلة حكراً على الهيمنة الألمانية والبريطانية. واليوم، ووفقاً لأحدث البيانات لعام 2025، تفوقت هولندا على كلتيهما مسجلة نمواً متواصلاً عاماً بعد عام. ولا يعني هذا أن سوق الإسكان الإسباني يمر بهزة جذرية شاملة، بل هو إعادة ترتيب للمراكز بين الجنسيات الثلاث الأكبر في منظومة الشراء الأجنبي.
صعود وهيمنة المستثمرين الهولنديين في سوق العقارات الإسباني
لقد أخذ التواجد الهولندي بين كبار المشترين الأجانب يتزايد تدريجياً، إلى أن أصبح هذا الصعود رسمياً في عام 2025؛ حيث اشترى المواطنون الهولنديون 6,289 عقاراً في جميع أنحاء إسبانيا على مدار العام، مما وضعهم في الصدارة بفارق ضئيل أمام ألمانيا (6,233) والمملكة المتحدة (6,152) للمرة الأولى.
وعلى الرغم من أن الفارق يبدو ضئيلاً، إلا أن مسار الأرقام يوضح الحقيقة الكاملة؛ إذ يشهد نشاط المشترين البريطانيين تراجعاً مستمراً منذ فترة. ورغم أن المملكة المتحدة لا تزال تمثل واحدة من أكبر مجموعات المشترين الأجانب في سوق الإسكان الإسباني، إلا أن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) بدأت تلقي بظلالها بوضوح؛ حيث انخفضت تعاملات المشترين البريطانيين بنسبة 8.5% على أساس سنوي خلال عام 2025، على الرغم من تسجيل تحسن طفيف في الربع الأخير. وينطبق هذا الأمر أيضاً على ألمانيا، التي تراجعت مبيعات مواطنيها بنسبة 2.6% مقارنة بعام 2024.
وفي المقابل، يواصل المشترون الهولنديون تعزيز حصتهم السوقية؛ وعند دمج معاملات المقيمين وغير المقيمين معاً، يقفز إجمالي مشترياتهم العقارية إلى 8,354 عقاراً في عام 2025، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 12.2% على أساس سنوي. كما كانوا الجنسية الرئيسية الوحيدة التي سجلت نمواً على أساس سنوي وعلى أساس ربع سنوي في آن واحد.
أين يشتري الهولنديون العقارات في إسبانيا؟
كحال معظم المشترين الأجانب، ينجذب الهولنديون نحو المناطق الساحلية، ولكن هناك تفضيلات جغرافية محددة تحرك خياراتهم؛ حيث يتركز المواطنون الهولنديون الذين يشترون عقارات في إسبانيا بشكل أساسي في كوستا بلانكا (أليكانتي) ومالقة، في حين تبرز خيرونا (Girona) كوجهة ثالثة صاعدة وبقوة.
أليكانتي: مركز الطلب الأول
في حين تتمتع منطقة كوستا بلانكا بشعبية واسعة، فإن أليكانتي تتصدر الطلب الأجنبي في إسبانيا. ويحتل المشترون الهولنديون المرتبة الثالثة هنا مباشرة بعد البريطانيين والألمان، مع تركيز واضح على مناطق دقيقة ومحددة مثل خافيا (Jávea) وبلدات شمال كوستا بلانكا، مغيرين بذلك ملامح سوق العقارات الفاخرة في هذه المنطقة.
مالقة: ركيزة الفخامة الراقية
يحتفظ المشترون الهولنديون بنشاط استثماري لافت في هذه المقاطعة، والتي تضم بعضاً من أفضل المرافئ والموانئ الفاخرة في إسبانيا؛ حيث يتجهون بشكل أساسي لشراء المنازل الثانية الفاخرة. وتأتي ماربيا، إستيبونا، وميخاس في مقدمة أفضل البلدات الساحلية الإسبانية المفضلة للمشترين الهولنديين.
خيرونا: اسم صاعد في كوستا برافا
باتت خيرونا مفضلة بشكل متزايد بين المشترين الدوليين نظراً لأسعارها المناسبة بالمقارنة مع غيرها؛ ويصنف المواطنون الهولنديون الذين يشترون منازل هنا ضمن المراكز الثلاثة الأولى إلى جانب الفرنسيين والألمان. وتتميز المنطقة بسهولة الوصول إليها من غرب أوروبا، فضلاً عن وجود مجتمع دولي متنامٍ يسهل على القادمين الجدد الاستقرار والاندماج.
لماذا يستثمر الهولنديون في إسبانيا؟ دوافع هذا الصعود المتسارع
تتنوع دوافع مشتري العقارات الهولنديين بشكل عام، وتتراوح بين الانتقال لتغيير نمط الحياة أو الاستثمار المالي البحت، ناهيك عن الجاذبية الشاملة التي تتمتع بها إسبانيا في أوساط المشترين الأوروبيين كافة.
بالنسبة للعديد من المواطنين الهولنديين الذين يشترون عقارات وينتقلون مع عائلاتهم، توفر إسبانيا ملاذاً مثالياً هرباً من الضرائب المرتفعة، الشتاء الطويل، والكثافة السكانية المتزايدة في وطنهم الأم.
ولا تزال تكاليف المعيشة وأسعار العقارات في إسبانيا منخفضة نسبياً مقارنة بهولندا؛ ويظهر هذا الفارق جلياً عند مقارنة مراكز هولندية مثل أمستردام وأوتريخت بالوجهات الساحلية الممتازة في إسبانيا؛ فبنفس سعر شقة متواضعة في هولندا، يمكن شراء فيلا فاخرة في أرقى المناطق الإسبانية. لذلك، يختار معظم الهولنديين إسبانيا لإجراء صفقة شراء تمنحهم الراحة النفسية وتحافظ على قيمة رؤوس أموالهم في آن واحد.
ويلعب أسلوب الحياة دوراً محورياً؛ حيث تظهر التوجهات تحولاً نحو عقلية الاستقرار الدائم بدلاً من مجرد الشراء الاستثماري العابر، ويقومون بذلك تدريجياً عبر قضاء أوقات جزئية أولاً قبل الانتقال النهائي؛ إذ يبدأ معظمهم بشراء منازل ثانية لقضاء العطلات، ثم يمددون فترات إقامتهم بالتدريج. بالإضافة إلى ذلك، فإن التعامل بعملة اليورو الموحدة في منطقة نظام العملة الأوروبية يجعل عمليات الشراء العابرة للحدود أكثر سهولة وبساطة للمشترين الهولنديين.
كيف يشتري المواطنون الهولنديون العقارات في إسبانيا؟
يمكن أن تختلف إجراءات شراء عقار في إسبانيا كمواطن هولندي بشكل كبير عن شرائه في هولندا؛ ويبرز هنا اختلافان رئيسيان هما: "عقد العربون" (contrato de arras) في إسبانيا والذي يتطلب إيداعاً بنسبة 10%، وآلية التمويل العقاري نفسها.
تمويل العقارات في إسبانيا: خيارات القروض العقارية للمشترين الهولنديين
على الرغم من أن غالبية الهولنديين يشترون منازلهم عبر السيولة الذاتية أو نقداً، إلا أن الراغبين في الحصول على تمويل يواجهون نظاماً مختلفاً في إسبانيا؛ إذ تميل البنوك الهولندية إلى تقديم أسعار فائدة وشروط أكثر مرونة مما هو متاح لغير المقيمين في إسبانيا، ولذلك يعمد العديد من المشترين إلى تسييل جزء من قيمة منازلهم الرئيسية في هولندا أولاً واستغلال ذلك الرأسمال لتمويل الشراء في الخارج.
ومع ذلك، يمكن للمواطنين الهولنديين الحصول على قرض عقاري من البنوك الإسبانية، ولكن بصفتهم غير مقيمين، تكون الشروط أكثر صرامة؛ وتتمثل الاختلافات الرئيسية بين الاقتراض من البنوك الهولندية والبنوك الإسبانية للأجانب فيما يلي:
• يمكن أن تصل نسبة التمويل إلى القيمة (LTV) إلى 100% في هولندا، بينما تقدم البنوك الإسبانية ما يصل إلى 60% فقط لغير المقيمين.
• حدود السن مرنة في هولندا، في حين تضع البنوك الإسبانية عادةً حداً أقصى للاقتراض حتى سن 70 أو 75 عاماً.
• تتيح البنوك الهولندية ميزة خصم الفائدة العقارية من الضرائب، بينما لا يوجد إعفاء مماثل للأجانب الذين يشترون منزلاً ثانياً في إسبانيا.
ما هي أولويات الهولنديين عند شراء منزل؟
يميل المشترون الهولنديون إلى إعطاء الأولوية للمساحات الواسعة ووسائل الراحة الحديثة على حساب القرب من مراكز المدن؛ ولذلك تحظى العقارات السكنية الجديدة الجاهزة للتسليم بطلب مرتفع للغاية، لتميزها بجماليات التصميم النظيف والبسيط وكفاءة الطاقة المدمجة.
وتعتبر المساحات الخضراء ونمط المعيشة الخارجي عامل جذب رئيسي؛ فبسبب قدومهم من بلد ذي كثافة سكانية عالية، يفضل الهولنديون الشرفات الواسعة، المخططات المفتوحة، والمنازل المصممة لتوفير أقصى استفادة من أشعة الشمس الطبيعية.
ويعد القرب من المطار عاملاً حاسماً آخر؛ حيث يفضلون المنازل التي تبعد أقل من ساعة عن المطارات التي توفر رحلات مباشرة إلى المدن الهولندية.
بالإضافة إلى ذلك، يبحث "الرحالة الرقميون" من الهولنديين دائماً عن خدمات إنترنت فائقة السرعة وشبكات اتصال موثوقة وعالية الكفاءة لإدارة أعمالهم.
التبعات الضريبية لامتلاك منازل ثانية في إسبانيا للمواطنين الهولنديين
بفضل اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي الموقعة بين هولندا وإسبانيا، يمكن للمشترين تجنب فرض الضرائب مرتين على نفس العقار أو الدخل؛ ومع ذلك، لا تزال طريقة حساب وتطبيق الضرائب تختلف بشكل ملحوظ بين البلدين.
وبما أن الحق الأساسي في فرض الضرائب يتبع دائماً الموقع الجغرافي الفعلي للعقار، فإن إسبانيا تحتفظ بالحق الأول في فرض الضرائب على العقار. أما من الجانب الهولندي، فيتعين عليك الإفصاح بوضوح عن القيمة السوقية للعقار في إقرارك الضريبي السنوي تحت البند (Box 3)؛ ورغم أن العقارات الثانوية تخضع للضريبة جنباً إلى جنب مع الأصول الأخرى، إلا أن السلطات الهولندية تمنح خصماً ضريبياً نسبياً بموجب الاتفاقية الثنائية.
وفي إسبانيا، تعتمد مسؤولياتك الضريبية على كيفية استخدامك للمنزل؛ وبشكل عام، وبغض النظر عن طبيعة الاستخدام، يجب على المشترين الهولنديين تقديم إقرار ضريبة الدخل لغير المقيمين سنوياً. فإذا كان المنزل شاغراً أو مستخدماً حصرياً من قبل العائلة، تُحسب الضريبة بناءً على قيمة إيجارية افتراضية تقدر بنسبة 1.1% إلى 2% من القيمة الكاداسترية (المسجلة) للعقار. أما بالنسبة للمواطنين الهولنديين الذين يقومون بتأجير عقاراتهم، فتُطبق نسبة ضريبية ثابتة تبلغ 19% على عوائد الإيجار، وبصفتهم مواطنين في الاتحاد الأوروبي، تتوفر لهم ميزة الاستفادة من الخصومات الضريبية على بعض المصاريف التشغيلية.
لمزيد من المعلومات التفصيلية حول هذا الموضوع، يرجى مراجعة دليلنا الشامل حول الضرائب في إسبانيا.
ماذا يخبئ لنا صعود المستثمرين الهولنديين في إسبانيا مستقبلاً؟
إن هذا التحول نحو الصدارة الهولندية لم يكن وليد الصدفة؛ إذ يتضح جلياً أن هذا الزخم قد تبلوّر على مدار سنوات عبر نهج عملي مدروس واهتمام متزايد بمواقع جغرافية دقيقة. ويأتي المشترون الهولنديون بأولويات واقعية وتوقعات منطقية، واعين تماماً بالتحديات والمخاطر المحتملة، ويفكرون على المدى الطويل عند اختيار العقار الإسباني المناسب للشراء.
وفي المرحلة المقبلة، فإن بقاء الهولنديين في الصدارة أو استعادة المشترين الألمان والبريطانيين لمركزهم الأول سيعتمد على عوامل خارجية تماماً عن سوق العقار الإسباني نفسه؛ حيث ستلعب التحولات في الاقتصاد الأوروبي الأوسع والتغيرات التشريعية والتنظيمية — مثل تلك التي تؤثر على المشترين البريطانيين بعد البريكست — الدور الأكبر في صياغة المشهد. لكن يظل هناك أمر واحد مؤكد وثابت: لقد غدا الهولنديون قوة رئيسية ومحركة في سوق العقارات الساحلية في إسبانيا.




